السيد نعمة الله الجزائري
40
الأنوار النعمانية
الأمر الثاني في بيان قوله صلّى اللّه عليه وآله : من رآني فقد رآني فانّ الشيطان لا يتخيّل بي قلنا قد قال سيّدنا الأجلّ المرتضى أعلى اللّه درجته في علّيّين فان قيل فما تأويل ما يروى من قوله صلّى اللّه عليه وآله من رآني فقد رآني فانّ الشيطان لا يتخيّل بي وقد علمنا أن الحقّ والمبطل والمؤمن والكافر قد يرون النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في النوم ويخبر كلّ واحد منهم بضدّ ما يخبر به الآخر فكيف يكون رأينا له في الحقيقة مع هذا ؟ قلنا هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الأحاد ولا معول على مثل ذلك ، على انّه يمكن مع تسليم صحّته ان يكون المراد به من رآني في اليقظة فقد رآني على الحقيقة لأنّ الشيطان لا يتمثّل بي لليقظان فقد قيل انّ الشيطان ربّما تمثّل بصورة البشر وهذا التشبيه أشبه بظاهر ألفاظ الخبر لأنّه قال من رآني فقد رآني فأثبت غيره رائيا له ونفسه مرئية ، وفي النوم لا رائي له على الحقيقة ولا مرئي وانّما ذلك في اليقظة ، ولو حملناه على النوم لكان تقدير الكلام من اعتقد انّه يراني في منامه وان كان غير راء له على الحقيقة فهو في الحكم كأنّه قد رآني وهذا عدول من ظاهر لفظ الخبر وتبديل لصيغته هذا كلامه ره . أقول انّ هذا الخبر مروي عن الأئمّة عليهم السّلام في شأن المنامات والأحلام صريح في انّ المراد انّه من رآني في المنام فقد رآني لأنّ الشيطان لا يتمثّل بصورتي ولا بصورة أحد من أهل بيتي ، وامّا قوله أنّ المؤمن والكافر يشاهده فالجواب عنه ان الظاهر انّه خطاب للمؤمنين لأنّهم المنتفعون برؤيته ، وان رآه واحد من الكفّار للأرتداع عن مذهبه الباطل فهو أيضا مؤمن في القديم زاغ عن الحقّ ايّاما إما بآبائه وامّهاته أو بالشبهات ثمّ رجع اليه ، وامّا انّ المؤمنين يرونه بالصور المختلفة فهو حقّ وذلك لأنّ النبيّ والأئمّة عليهم السّلام قد كانوا يظهرون للناس في عالم اليقظة على صفات مختلفة وصور متضادّة على قدر ما تحتمله عقولهم وأوهامهم كما تقدّم سابقا ، وامّا إنّهم يفتون الناس الأحكام المتضادّة فقد كان هذا في عالم اليقظة أيضا خصوصا مولانا الصادق عليه السّلام فانّه كان يفتي شيعته بالفتاوي المتضادّة ويخالف بينهم لمصالحهم كما قال عليه السّلام الّذي خالفت بينهم ولولاه لأخذ الناس برقابهم ، فالمصلحة الّتي تكون في اليقظة تكون في النوم أيضا وذلك أنّ الناس مرضى والأمام الطبيب الحاذق فهو يصف لكل داء دواءه . ومن ثمّ ترى الأطياف والأحلام قد اختلفت في الحشيشة الّتي يسمّونها الناس بالتتن فبعضهم نقل أنّه رأى الأمام عليه السّلام فنهاه عن شربها واستعمالها ، وبعضهم نقل أنّه رأى الأمام عليه السّلام وقد أمره بأستعمالها ، وذلك أنّ حكمها يختلف باختلاف الطبائع والأمزجة فربّما وافقت طبيعة وأضرّت بأخرى كبعض الأدوية والعقاقير فكلا الطيفين حقّ . وحيث بلغ بنا الكلام إلى هذا المقام فلا بأس بأرخاء العنان لتحقيق هذا المرام .